بسم الله الرحمن الرحيم
كيف نوطن الإسلام ؟
قال سبحانه وتعالى ( كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء , وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض , كذلك يضرب الله الأمثال ) الرعد 17
لعل هذه الآية العظيمة , وكل مافي كتاب الله تعالى عظيم, تكون لنا الدليل والمعين للإجابة على سؤال مهم وخطير , سؤال تاه البعض في دروبه , ألا وهو كيف نوطن الإسلام ؟
القضية هنا دعوية مئة في المئة , أي أنها ليست قضية سياسية , بل إن أساسها قوله تعالى ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)الكهف 29 لأنه سبحانه خلقنا (شعوبا وقبائل لتعارفوا) ننقل فيما بيننا ما نعرف من الحق والخير ولا نكره أحدا على أمر أو نكيد له و نرفض أن يكرهنا أو يكيد بنا الآخر .
وهذا هو المنهج الرباني لأن من يدخل في دين الله طائعا غير كاره سوف يبني حياته ويؤسسها على أساس تعاليم الله مصداقا لقوله تعالى (سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)البقرة 285
وعودة إلى دليلنا في قوله تعالى ( وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) وهي سنة الله في كونه وهو سبحانه وتعالى من ضمن لنا ذلك , وما على الإنسان إلاّ العمل على زرع هذا العمل النافع , وقمة ذلك هو تعريف الإنسان بالحق سبحانه , ولكن يدخل ضمن ذلك كل ما ينفع الإنسان ماديا ومعنويا , وكل ما ينفعه في الحياة العاجلة , أي الدنيا, والآخرة .
لخص هذه الفلسفة أسلافنا حين قالوا: لنخرج من يريد من الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد , وبذلك رسخوا معنى الحرية الكاملة أي حرية الاختيار وحرية الإتباع , وهي الفلسفة التي تدندن حولها كل الأمم والمنظمات العالمية هذه الأيام , ونحن أحق الناس بهذه المباديء تطبيقا ونشرا .
نقطة البداية
البداية من قوله تعالى ( أومن كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها..)الأنعام 122
و صفة المجتمع المسلم الذي يريد أن يتصدى لنشر وتوطين الفكر الإسلامي ( كزرع أخرج شطـئه فأزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع) الفتح29 , أي أنهم مزرعة خصبة مثمرة .
معنى ذلك أننا أفرادا كنا أو جماعات نحتاج للعمل الذي به نكون نورا يضيء للآخر طريقه , وبه نكون مثل الزرع المثمر .. ولكن ماهو هذا العمل ؟ وما هي صفته ؟
إن العمل هوالتجديد الذي قامت عليه الحضارة الإسلامية وهو تجديد في إتجاهين مختلفين ولكنهما يصلان في النهاية إلى نتيجة واحدة نبيلة المقاصد سامية المعاني ألا وهي الإصلاح(و أن أعمل صالحا ترضاه)النمل 19 .
لقد جاءت الحضارة الإسلامية بتجديدين مرة واحدة , وذلك في شكل نفي السلب ( أي الأفكار البالية ) وتثبيت الإيجاب ( أي الأفكار المنتجة المفيدة للإنسان) وهو ما أشار إليه كثيرا المفكر الإسلامي مالك بن نبي رحمه الله تعالى حين تصدى لمشكلات الحضارة .
هي دعوى يجب تفعيلها في المجتمع الإسلامي أولا حتى يكون قادرا على إضاءة الطريق للغير ومن ثم تفعيلها في المجتمع الإنساني الكبير حتى يعم الحق والخير والعدل .
صفات أساسية
ولعل البداية الصحيحة تكون من عند الفرد المتصدي لهذا العمل والذي يجب أن يتحلى بصفات أساسية حتى يكون مقنعا في دعواه , ومن أهم هذه الصفات....
*العلم والفهم
*الأخلاق
*الصبر
جاء في الأثر في صفة إبن آدم بأنه أقوى من الريح والماء والنار والحديد والجبال , وأكثر ما يميزه هو العلم والفهم وبذلك لن يضل نفسه أو يضل غيره ( وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك )الحج 54 .
والأخلاق قوة , حتى أن سبب بعثته صلى الله عليه وسلم هو تثبيت وترسيخ الأخلاق الحميدة والتي بها يعرف الإنسان كيفية التعامل مع غيره وكيفية التعامل مع ربه ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) , وكثيرا ما أثرت الأخلاق في الأنفس تأثيرا غلب تأثير الكلمات والدعاوي المجردة .
والصبر قوة (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل )الأحقاف 35 , ودعاوي اًلإصلاح دائما ما تتلازم بتحديات وصعاب وفتن تحتاج إلى عزم اولي العزم من الرسل .
ولا تأتي الصفات و لاتبنى الأخلاق فجأة بل تحتاج عادة إلى وقت حتى تصير قولا يعكسه عمل وكما قال الخليفة عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى ( إن الليل والنهار يعملان فيك فأعمل فيهما ) , ولا يجب إستعجال النتائج بل المطلوب هو المثابرة في العمل .
خاتمة
قال الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون ( ما عرف التاريخ فاتحا اعدل ولا أرحم من العرب ) وإن كان الفتح هذه الأيام يختلف في شكله إلا أن العولمة التي إحتوتنا جميعا تفرض علينا العمل على فتح فكري حضاري إنساني واقعي لا إكراه فيه (لا إكراه في الدين ).
يقول صلى الله عليه وسلم ( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة ’ من يجدد لها دينها)رواه أبو داود
يقول العلماء: وكلمة (من) في الحديث تشمل (المفرد) , كما تشمل الجمع , فقد يكون ا لمجدد جماعة دعوية أو تربوية أو جهادية ( الجهاد بمعناه الأشمل) وهنا يكون سؤال لمسلم : ما دوري في حركة التجديد ؟ بدل أن يكون كل همه انتظار ظهور المجدد , وهو لاحول له ولا قوة !
أخيرا أقول لعل مهمة توطين الإسلام تبدأ بتوطينه في أنفسنا قولا وإعتقادا و تطبيقا وتنتهي بنقله إلى الإنسانية جمعا نقل رأفة ورحمة ( وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة) الحديد 27والله تعالى أعلم
د. جمال