نعود مرة أخرى لنطرح بعض النقاط التي ذكرها مفكرون من العالم الإسلامي
في قضية التغيير
ونبدأ من البداية التي ليس لها بديل , وإن ملّها الناس , وهي في قوله تعالى
« إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » الرعد – 11
إن السنة الموجودة في الآية ، سنة عامة تنطبق على كل البشر
وليست خاصة بالمسلمين ولا بغيرهم وإنما هي عامة
وإذا أدرك(وفهم) المسلم (سنن المشاكل)
سيخرج من هذا الإدراك وهذا الفهم بالسلوك الجاد بدل التشتت الذي يعيشه
إدراك
يجعله يقبل على ما بين يديه من وسيلة موجودة بكل صبر وجد واستمرار
دون أن يتمكن أحدٌ أن يصرفه عن غايته
و الذين لا يرون أن للمشكلة قوانين
أو يفرضون لها تفاسير خاطئة ، لا يمكن أن يصلوا إلى نتائج .
فعدم اعترافهم بالقانون لا ينفي القانون
وإنما يمنعهم من السيطرة عليه وتسخيره ، ويجعل منهم أداة يلعب بها الآخرون
الذين علموا القوانين الصحيحة
ومن المفارقات
أن نتطلع بشوق إلى تغيير الواقع ، دون أن يخطر في بالنا ، أن ذلك لن يتم
إلا إذا حدث التغيير قبل ذلك بما بالأنفس
ونحن مطمئنون إلى ما بأنفسنا
ولا نشعر أن كثيراً مما فيها ، هو الذي يعطي حق البقاء لهذا الواقع الذي نريدُ أن يزول
ونحن نشعرُ بثقلِ وطأتهِ علينا
ولكن لا نشعرُ بمقدار ما يساهم ، ما في أنفسنا ، لدوامه واستمراره .
وفي شباب العالم الإسلامي
من عندَهُم استعدادٌ لبذل أنفسهم وأموالهم في سبيل الإسلام
ولكن
قل أن تجد فيهم من يتقدم ليبذل سنين من عمره ليقضيها في دراسة جادة
ليُنضِجً موضوعاً ، أو يصل به إلى تجلية حقيقية
مثلاً
كمشكلة الانفصال الذي يعيشه المسلم بين سلوكه وعقيدته , ولا يمكن ذلك إلا بعد الدرس والتحصيل
إذ ليس الأمرُ مجرد بذلٍ وكفى ، لأن البذل لا يعطي نتائجه إلا بشروطه الفنية .
و بذل المال وبذل النفس (مع أهميتهما)، يمكن أن يتم في لحظة حماس وتوتر
ولكن
طلب العلم لا يتم في لحظة حماس ، وإنما في جهد متواصل
يحتاج لنوع من الوعي كوقودٍ ، يجعل الاستمرار ممكناً
تغيير الله وتغيير القوم
ينبغي أن لا تفوتنا هذه الملاحظة . لأن نص الآية ، على حسب قواعد الإعراب
أن فاعل التغيير الأول ، المذكور في الآية ، هو الله سبحانه وتعالى
وفاعل التغيير الثاني ، هم القوم ، أو المجتمع
وإن كانت القدرة التغييرية الثانية ، هي هبة من الله تعالى للقوم
وإقدار منه تعالى للمجتمع على ذلك .
وعلينا
أن لا ننسى هذا التوزيع في العملية التغييرية
لأنه كثيراً ما يغيب عنَّا ما يخص الإنسان من التغيير
ويختلط علينا الأمر ، وهذا الغموض ، يفقد الإنسان ميزته وإيجابيته في عملية التغيير
وإن أي ظن ، أو طمع
في أن يحدث الله هذا التغيير الذي جعله من خصوصياته
– إلا وهو الجانب الذي يتعلق بما بالقوم وليس بما بالنفس –
قبل أن يكون القوم هم بأنفسهم قاموا بتغيير ما بأنفسهم
إن هذا الظن ، والإغفال لهذه السنة الدقيقة المحكمة
يبطل النتائج المترتبة على سنة هذه الآية .
ففي الآية ترتيب بين حدوث التغييرين
والتغيير الذي ينبغي أن يحدث أولاً ، هو التغيير الذي جعله الله مهمة القوم وواجبهم ، بأقدار الله تعالى لهم
على ذلك
وإن حدوث أي تهاون في الخلط بين التغييرين
وإدخال التغيير الذي يحدثه الله بالتغيير الذي يقوم به القوم ، أو العكس
يفقد الآية فعاليتها وتضيع فائدة السنة الموجودة فيها
والرجاء ، بأن يحدث الله التغيير الذي يخصه ، قبل أن يقوم القوم (المجتمع) بالتغيير الذي خصَّهم الله به ،
يكون – هذا النظر – مخالفاً لنص الآية
وبالتالي
إبطالاً لمكانة الإنسان ، وأمانته ، ومسؤوليته ، ولما منحه الله من مقام الخلافة على أرضه
لأن
هذا التحديد في مجالات التغيير ، وهذا الترتيب فيما ينبغي أن يحصل أولاً ، وما يحدث تالياً
هو الذي يضع البشر أمام مسؤولية حوادث التاريخ
ومن هذه النافذة ، يمكن إبصار أثر البشر ، في أحداث التاريخ ومسؤوليتهم إزاءها .
والله أعلم