بسم الله الرحمن الرحيم
مفاهيم مقلوبة :
تنتشر في أحاديثنا بعض المفاهيم التي تبدوا لأول وهلة صحيحة, وهي كذلك,
إلا أن الخطأ في استخداماتنا لها
ومن ذلك قولنا , نقلا عن علماء الأمة
رأيي صحيح يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب
وتكرر هذه الجملة كلما اشتد الخلاف
والخطأ
ليس في هذه الجملة العظيمة المعنى بل في وقت استخدامها
فالشائع عندنا
وبعد طول حوار وحين لا نصل إلا أي اتفاق للآراء
( وهذا من باب سوء الحوار لدينا بسبب التعصب الشائع لدينا)
حينها يتكئ البعض على هذه المقولة ظنا , وهو ظن خاطئ,
بأن هذه الجملة تستخدم في آخر الحوار !
والصحيح
أن مكانها هو بداية الحوار لا نهايته
وجملة ( رأيي صحيح يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب )
هي لتأسيس قاعدة غير متعصبة للحوار
بمعنى
أننا ومن بداية الحوار نلغي أي فرصة للتعصب للرأي
لأننا طلاّب حق وحقيقة
لا طلاب نصرة متحيزة لآرائنا, أو المفروض أن نكون كذلك !
كذلك الحال
حين نردد وبكل (قلة احترام لأنفسنا) جملة ( اتفق العرب على ألا يتفقوا)
وهي جملة في اصلها تعبير يستخدم استثناء حين لا تتفق الأطراف المتحاورة
والنتيجة المفترضة عندها هي مراجعة الأطراف لمواقفها وتطويرها
بقصد إلتقاء الآراء والوصول لنتيجة
فليس المتوقع من المحاور المتحضر أن يكون جامد الرأي
بحيث يقدم نفسه ورأيه على كل مصلحة عامة
أما حالنا وللأسف
فهو استخدام مكرر لهذه الجملة الإنهزامية وبشكل غير استثنائي
وكأنها هي القاعدة ؟
وهو مما يجب الغاءه من مفردات معاجمنا
ووضع الجملة في مكانها الصحيح , ألا وهي ( جمل للحالات الإستثنائية )
أما الجملة الثالثة
والتي نستخدمها أثناء حواراتنا فهي
( أن الإختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية )
وهي عادة تستخدم في حالة هي عكس ما تعنيه الجملة
فالأصل
أن الذي بين المتحاورين (اختلاف) وليس بينهما (خلاف)
أي
أن لنا آراء مختلفة وليس بيننا قضية , والفرق كبير,
فالخلاف قد يكون نتيجة سوء تفاهم ويعكس مواقف سلبية بين الأطراف
أما الإختلاف في الآراء فهو من سنن الله في الكون
ليكون هناك تنوع في الحياة حتى لا تمل
أما واقع استخدامنا لهذه الجملة
فهو للتعبير ( بشكل مؤدب ) عن عدم رضانا لهذا الإختلاف وغضبنا من المخالف
فالحقيقة ان الإختلاف قد أفسد الود !
وما ذلك ايضا إلا بسبب تعصبنا وقلة ثقافتنا ( أو انعدامها ) في التحاور وما يلزمه
وهو استخدام " غير أمين" لهذه الجملة
أو بمعنى أصح هو انعدام لقبول الرأي المختلف
وهذه معضلة اجتماعية يجب ان نعمل على علاجها
ومن ادوات العلاج هو التركيز على الموضوع محل الإختلاف و البعد عن تشخيص المسألة
والبعد عن ذكر أسماء وجعلها جوهر القضية
والبعد عن التحزب خلف اسماء وشخصيات
والعمل على تفتح العقول والقلوب لجميع الآراء
ليس لقبولها على عماها
ولكن لوزنها بميزان الباحث عن الحق والحقيقة, فهذا هو غاية كل حوار
أخيرا:
من الخطأ ما يظنه البعض وهو ان التغيير هو النتيجة الحتمية لما بعد الحوار والإقناع
فعملية التغيير تحتاج الى أكثر من عامل واحد
والعادة تتحكم بالإنسان وتصعِب عليه عملية التغيير
إلا في حالة من حالات كمال الإيمان والإستجابة
كما في قوله تعالى
( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق
ولا يكونوا كالذين أتوا الكتاب من قبل
فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فسقون* )
حينها
يجب ان يكون جواب السؤال المذكور في الآية الكريمة: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم ؟
أقول يجب أن يكون الجواب هو: بلا آن يا ربنا بلا آن يا ربنا
وذلك حتى لا يطول الأمد علينا
وحتى لا تقسى قلوبنا
وحتى يكون التغيير الكبير في حياتنا , والله المستعان
*الحديد آية 16