كثرة الضحك
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبعد...
حين تسمو النفوسُ الإنسانية وتكبر آمالها, وتُصبحُ الحياةُ عامرةً بالتقوى وصالحِ الأعمال, تتطلعُ هذه النفوسُ إلى معرفة الفضائلِ والمكارمِ, فتصبحُ العبادة مُحبَّبة إلى النفس, كما تصبح الطاعةُ خُلقًا أصيلا من أخلاقها, وسجيةً عُظمى من سجاياها, وبذلك يرتفعُ الإنسانُ فوقَ الشهواتِ والشبهاتِ كما ينأى بنفسه عن المُغويات والمُغريات, ولا يكون للمادة عليه من سبيل, كيف لا... وقد أصبحت المُثل العُلا هى هَمَّهُ وغايتَه, وأصبح حُبُّ الخير غرضًا له وهدفًا...
لقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم في قبس من نور نبوته صلى الله عليه وسلم كثيرًا من سبل الخير, وأرشدنا إلى مدارج العز والكمال...
روى الترمذى وابن ماجة وغيرهما بإسناد حسن عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"من يأخذُ عنى هذه الكلمات فيعملَ بهن أو يعلّمُ من يعملُ بهن ؟
قال أبو هريرة : فقلت : أنا يا رسول الله، فأخذ بيدى فعدّ خمساً،
فقال:
اتق المحارم تكن أعبدَ الناس.
وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس.
وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا.
وأحبَّ للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً.
ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب"
تأتى الوصية الأخيرة فى هذا الحديث لِتُحَذِّر مما يُذهب بهاء القلب ونورَه، ويُفقد الإنسانَ شعوره وإحساسَه، فلا يستفيق لنصح ولا يرتدعُ عن غى .. إنها تنهى عن كثرة الضحك الذى هو دليل السفهِ وخفةِ العقل، كما قال القائل:
ضَحِكْنا وكان الضَّحْكُ منا سَفَاهةً *** وحُقَّ لأرباب البريّة أن يَبْكوا
إنها دعوة إلى أن يتحلى المرء بخلق رصين، فيتجنب حياة الهزل والسخرية التى تتنافى مع وقار المسلم. فالحياة للمسلم أخى الكريم ليست لهواً وعبثا وليست هزلاً وصخبا، بل فيها الجد والكفاح، وفيها الآمال والتضحيات.
نعم، أخواني الكرام، وليست الحياة جموداً وكآبة وحزناً، وإنما هى ساعة وساعة كما أشار النبى صلى الله عليه وسلم لحنظلة فى حديث آخر.
ولقد كان صلى الله عليه وسلم يضحك ويمزح، ولكنه لا يقول إلا الصدق، فما نقص الضحك من وقاره أو هيبته صلى الله عليه وسلم بل زاده حبا ووقاراً بين أصحابه وأمته.
ألا ما أجمل هذه الوصايا إنْ تمسك بها المسلمون
جعلنا الله وإياكم من أهل الثبات على الحق،