الكبر والغرور داء أبتلى به ذوو النفوس الضعيفة فالإنسان يجد السعادة في راحة النفس والضمير . ولكن التكبر المغرور لا يجد من راحة النفس شيئا" . أذن فالمتكبر المتكبر المغرور وهو شخص بائس في وضع نفسي لا يحسد عليه . فهو يعاني من مركب النقص في شخصيته وهذا النقص يؤرقه ويقض مضجعه ، لذلك تسول له نفسه أن يلجأ بين الحين والآخر إلى التعالي والمغالطة والمكابرة والمظاهر الفارغة لان تلك المظاهر وهذا التصنع يجعله يشعر بالراحة المؤقتة ، شأنه في ذلك شأن المريض الذي يتناول مخدرا" لتهدئة أعصابه فترة من الوقت . فما أن يتناول مخدرا" حتى أدمن وأصبح بحاجة إلى المخدرات باستمرار ، أو شأن ألأجرب لا يفتأ يحس بالحاجة إلى حك جلده فيحك بقوة فتزيد حاجته إلى جلده وهكذا يقضي حياته في حك جلده باستمرار .
أن الكبر صفة ذميمة نبذها الله تبارك وتعالى فقد قال في كتابه الكريم ( ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا" أن الله لا يحب كل مختال فخور ) لقمان 18
وقال تعالى ( انه لا يحب المستكبرين ) النحل 23
وقال تعالى ( وإذ قلنا للملائكة أسجدوا لآدم فسجدوا الأ إبليس أبى وأستكبر وكان من الكافرين ) البقرة 34 .
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم ( أن أحبكم إلي وأقربكم منحي مجلسا" يوم القيامة أحسنكم أخلاقا" وأن أبغضكم إلى وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون )
وكلمة ( المتفيهقون ) تعني ( المتكبرون ) وقال صلى الله عليه وسلم ( يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة أمثال الذر يطأهم الناس ) ومن حديث أبي هريرة ( أول ثلاثة يدخلون النار : أمير متسلط وغني لا يؤدي الزكاة ، وفقير فخور ) وقال الإمام علي أبن أبي طالب ( كرم الله وجهه ) ( التكبر على المتكبر تواضع ) . وقد نقل عن أبي حازم قال : دخلت على عمر بن عبد العزيز فأخذ المصباح ينطفي فقلت له : أما أنبه غلامك ؟ فقال : لا فقلت : أقوم أنا ؟ فقال : لا ثم قام عمر وأصلحه ثم قعد وهو يقول : قمت وانأ عمر وقعدت وانأ عمر ، قبحا لوجه المتكبرين ، ثم أنشد :ـ
أذا عظم الإنسان زاد تواضعا" وأن لؤم الإنسان زاد ترفعا
كذا الغصن أن تقوى الثمار تناله وأن يعر عن حمل الثمار ترفعا
أن المتكبر المغرور مريض لديه نزعة السيطرة على الآخرين وأشعارهم بأنه أفضل وأقوى منهم ولكنه في الواقع عكس ذلك يقول السيد عباس محمود العقاد رحمه الله في كتابه ( مذهب ذوي العاهات : أن الإنسان الطبيعي صاحب التكوين المستقيم والفطرة السوية لا يشعر أبدا بالحاجة إلى تخويف غيره ، وإنما يشعر بهذه الحاجة من في تكوينه نقص وفي طبيعته اعوجاج ويلذ لمثل هذا أن يشعر بقدرته على تخويف غيره ، لأنه ينفي بذلك شبهة الضعف عن نفسه ولولا شعوره بمهانته وضآلة شأنه لما أحتاج إلى التخويف .
والكبر والغرور صفتان ملازمتان أحداهما للأخرى فالمتكبر مغرور والمغرور متكبر . والمتكبر أو المغرور كثيرا" ما يعاني من الفراغ العقلي والثقافي ، لذلك فهو يحاول أن يملأ هذا الفراغ وهذا الضعف حتى ولو كان على حساب الغير فينظر إلى الآخرين بتعال وخيلاء وهو يدرك تمام الإدراك بأنهم قد يكونون أفضل منه . فإذا أسند له موقع وظيفي أخذ يتصرف تصرفا" أهوج متحذلقا" . فلا يضع نصب عينيه خدمة الناس ، أنما ينتظر من الناس أن يخدموه وان يقدموا له آيات التبجيل والإكبار معطيا" لنفسه أهمية أكبر مما يستحق لا لشيء ألا إرضاء لغروره وكبريائه فهو ينظر إلى هذا الموقع الذي عهد به إليه بأنه شيء كبير جدا" ولم يكن سبب شعوره هذا ألا أحساسة بالضياع المسبق وبصغر شأنه .
أقول : لا يلجأ إلى التكبر ألا الصغير ولا يتواضع ألا الكبير ، أعني الكبير بعقله وبأخلاقه حيث أن الكبير ليس بحاجة إلى التكبر لأنه كبير أصلا" ولقد أصاب من قبل ثلاث مهلكات : شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه .
لقد أصبحت مجالس الفاتحة على سبيل المثال معارضا" للأزياء حيث يأتي بعضهم وقد نكس عقاله وفتل شاربيه ووضع العباءة على كتفيه ماشيا" على رؤوس أصابعه وهو ينظر إلى الآخرين بزهو وتعال وكبرياء واستصغار وكأن الآخرين ليسوا ألا حشرات متخيلا" أنه قد جاء لحضور حفلة أو مهرجان وليس مأتما" .
إلى متى نجري وراء الترهات وسفا سف الأمور ؟
يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : ( أن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ) ويقول صلى الله عليه وسلم : ( ألا أن في الجسد مضغه أذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب ) .
ويقول الإمام علي بن أبي طالب ( كرم الله وجهه ) : ( عجبت لأبن آدم كيف يتفاخر وقد نزل من مجرى مجرى البول مرتين ) .
فيا أيها الإنسان المتكبر ما أشد عنادك ومكابرتك وما أصلفك : أيها الإنسان المتكبر .. أنك تحمل جيفة في بطنك . أنك متكبر لأنك ضخم ممتلئ الجسم وبطنك كبيرة . أذن فأنت تتكبر وتتفاخر بهذه الجيفة التي تحملها في بطنك . وأذن كم أنت صغير وتافه أيها المتكبر .
أيها الإنسان ما أقوالك وما أضعفك : ما أقوالك على سائر المخلوقات حين تستعمل عقلك حيث أن قوة الإنسان تكمن في عقله وما أضعفك عندما تستسلم للهموم فتقتلك . وحينما يفتك بك أضعف مخلوقات الله فيجعلك طريح الفراش أو يجعلك تتلوى في الفراش فخار عزمك وضاقت هذه الدنيا الواسعة بعينيك أن الذي سبب لك كل ذلك هو مكروب لا يرى بالمجهر فهلا أدركت ألان كم أنت صغير وضعيف ؟ فبأي شيء تتكبر أذن ؟ أن الله خلق الموت وأن فيه لعبرة فهذا الموت لا يميز بين الغني والفقير ولا بين الطويل والقصير ، ولا بين الأبيض والأسود ولا بين البدين والنحيف فكلهم سواسية إزاء الموت :ـ
كل أبن أنثى وأن طالت سلامته يوما على آله حدباء محمول
عندما لا يأخذ الإنسان ألا هذا الكفن وتلك الأعمال التي أداها في حياته . وبعد فيا أيها الإنسان إلا تتذكر النمرود الذي طغى وتجبر فأرسل الله له أضعف مخلوقاته لتدخل في أذنه وتحدث طنينا" فلا يستريح ويهدأ له بال إلا أذا ضرب بالنعل على رأسه . هذا هو انتقام الله وبطشه .
ولنأت ونتوقف قليلا" عند سورة الكهف : ( وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ) فأنها محاورة بين أثنين سيطر على أحدهما الغرور بما أعطاه الله فأخذ يتبختر ويتعالى على صاحبه ، أن الثروة أيها الإنسان لم تكن يوم من الأيام مقياسا" للأفضلية لأنها شيء زائل أنما تقاس الأفضلية على أساس الأخلاق المستمدة من القرآن الكريم وعلى أساس الخير الذي يقدمه الفرد للمجتمع ولنتأمل أنتقام الله تبارك وتعالى : ( وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما انفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ) .
وعلى العكس الكبر والغرور فالتواضع يدل على رصانة العقل وجمال الخلق وتكامل الشخصية : يقول الله عز وجل ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) سورة الفرقان .
أنهم يمشون على الأرض مشية متواضعة هينة خالية من التكلف أو التصنع بعيدة عن التكبر والترفع ، أنهم يتجنبون المهاترات والانحدار إلى مستوى الجهلة والسفهاء ، يقول الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم : ( من تواضع لله رفعه ) فالمتواضع يعطي لكل فرد أهميته لأنه يدرك أهمية الآخرين مثله والذي لا يحترم نفسه وإنما يشعر بتفاهتها لذلك يعامل الناس بما يشعر تجاه نفسه .
وأعود فأوكد بأن الثروة والجاه المزيف والمظاهر الزائلة لم تكن في يوم من الأيام معيارا" للافضليه ولو كانت كذلك لما كانت زائلة ولما تغيرت . أن معيار الافضليه هو الخلق القويم المستمد من القرآن الكريم وهو العقل الذي ينير للإنسان الطريق .
أن معيار الأفضلية هو التقوى والقدرة على خدمة المجتمع الإسلامي .
ولكن تلك الافضليه لا تعطي للإنسان الحق في أ، يتكبر أو يتعالى على الآخرين وإنما يأخذ بيدهم ويعلمهم ويمدهم بما حباه الله من أخلاق وعلم وإمكانيات .
يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ( خير الناس من نفع الناس ) وعندما خاطب الله جلت قدرته رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم لم يقل له أنك غني أو من سادات قريش أو من قبيلة أو عشيرة كذا بل قال له ( وأنك لعلى خلق عظيم ) . صدق الله العظيم .
اللهم أبعدنا عن الغرور والتكبر واجعلنا من الذين يمشون على الارض هوانا
تقبلو تحياتي