بسم الله الرحمن الرحيم
حين نتحدث عن فقه السفر , و الذي يكثر هذه الأيام ,
فإننا نعني الفقه بمعناه اللغوي أي الفهم , ففقه الشيء فهمه .
والسفر ليس حمل أمتعه وجواز سفر وترحال ,
فالسفر كأي فعل يحتاج إلى ثقافة و معرفة ضروريتين حتى يكون للسفر معنى .
ومن المعرفة التي يلم بها الكثير هي معرفة كيفية أداء الواجبات
أثناء السفر كالصلاة مثلا ,
ولكن هناك الكثير من الأمور الأخرى التي يجب إدراكها والإلمام بها قبل السفر .
من ذلك مثلا تحديد نوعية الملابس اللازمة
ولعل الكثير منا يظن أن هذا الأمر ثانوي وهو ليس كذلك,
فلو ظننا مثلا أن الجو هذه الأيام حار لأننا في فصل الصيف
فالنعلم بأن هناك جزء من الكرة الأرضية يعيش فصل الشتاء هذه الأيام
وهو الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية وفيه(( نيوزيلاندا)) والتي
يقصدها المئات من الطلبة الشباب الراغبين في تعلم اللغة الإنجليزية ,
لذلك قد يدهشك صديق لك يغادر بلادنا وهو يحمل معطفا من الصوف!
مثال آخر لمن أراد السفر لبلد آسيوي فالجو هناك إستوائي
أي أنه كثير الأمطار وشديد الرطوبة , ومن الطبيعي أن هذا الجو يلغي
أي فكرة للبس بدلة من الصوف و ربطة عنق !
أيضا من يسافر إلى أماكن تتطلب المشي الكثير
فإن لبس حذاء إيطالي أسود لماع لن تكون فكرة جيدة على ما أظن ! .
ولكن هناك معرفة وثقافة أخرى يحتاجها المسافر
وهي أهم من أي معرفة أخرى وأهم من معرفة أنواع الملبس أو الطعام أو المواصلات وإن كان كل ذلك مهم ,
وهي معرفة التواصل مع الشعوب الأخرى
و معرفة نشر ثقافة الشعوب بين بعضها البعض ,
وأنا هنا لا أتحدث عن إقامة محاضرات أكاديمية ولقاءات علمية جادة ,
ولكنني أتحدث عن تصرف الأفراد التلقائي أو العفوي
والذي قد ينقل كل ذلك من خلال هذه التصرفات.
يقول المثل ( كل إناء بما فيه ينضح ) ,
فلو رأينا شابا أو شابة متسامحون في تعاملهم كانت الترجمة الفورية
لتصرفاتهم هي أن هؤلاء من شعوب متسامحة ,
كذلك الأدب في السؤال والإلتزام بالقوانين
و المعرفة المسبقة لما تنكره هذه الشعوب
والبعد عما يغضبهم , كل ذلك يعكس صورة جيدة وبشكل تلقائي عن ثقافة شعوبنا .
كذلك يهتم البعض في نشر الإسلام أثناء سفرهم قصر أو طال
وهو أمر لاشك محمود ,
ولكن المشكلة تكمن في القدرة على التواصل بالشكل الصحيح ,
ومن ذلك إجادة اللغة وإختيار الأشخاص و الأوقات المناسبين ,
و أنا كثيرا ما أردد ما سبقني به الكثير من المفكرين من الدعاة
وذلك بإختيار أفضل طريقة لنشر الدعوة ,
وهي الدعوة بالقدوة ,
أي اذا أردت أن تبين للناس بأن الإسلام يدعو لمكارم الأخلاق فكن كذلك !
كن صادقا يغنيك ذلك عن إلقاء خطب في الصدق ومحاسنه ,
كن أمينا , كن دقيقا في كلامك , كن ملتزما بمواعيدك ,
إحترم الناس ولا تستحقرهم , تمنى الخير والهداية للغير
وأجعل ذلك يحل محل اللعن أو التسفيه ,
كل ذلك ممكن أن يشاهد وأنت تركب الطائرة ,
وأنت تتحدث مع الموظف أو الموظفة في المطار ,
وأنت تتعامل مع سائق التاكسي والعاملة في الفندق .
الدعوة تحتاج إلى داعية قدوة لا خطيب مفوه
وإليكم بعض ما يستنكره الكثير من الناس :
الحديث بلغة مختلفة في مكان يجمع جنسيات مختلفة
مثل فصل دراسي فالترجمة الفورية تقول
أنك تتحدث عن الآخرين بما لا تريدهم أن يفهموه ,
الحديث بصوت مرتفع وكأنك وحدك وهو أمر يعكس عدم الإحترام للغير ,
الإشارة على الغير باليد ففيه نوع من عدم اللياقة أو احيانا يعني التهديد ,
الضحك والسخرية على شخص لمظهره أو حجمه أو ملبسه ,
التعامل بالمادة (أي المال) وكأنك قادر على تسخير خلق الله كلهم بالمال ,
تخطي طوابير الإنتظار وهو من أشد الأمور إستنكارا
ويعكس صورة سلبية جدا عن مجتمعك
فمعنا ذلك أنك غير أمين وغير إجتماعي وغير نظامي
وبدون هذه الأمور تلغى الحضارة الإنسانية.
أخيرا يجب أن نعرف أن " بعضنا " أساء علينا بتصرفات فردية سلبية ,
زيادة على أن هناك من عمل ولعقود طويلة على تشويه صورتنا عند الغير عمدا ,
كلا الأمرين يحملانا مسؤولية إضافية
أولها تصحيح بعض المفاهيم المغلوطة عنا عمليا وليس نظريا
والأخرى زرع وتثبيث الصورة الإيجابية عند الغير.
سفرا سعيدا وعودا حميدا للجميع