بسم الله الرحمن الرحيم , قالها سليمان في كتابه الذي ألقِيَ لملكة سبأ , وها أنا أخطُّها هنا , لقول النبي صلى الله عليه وسلم { كل عمل لا يبدأ بسم الله فهو أبتر } .
والحقيقة أنني لم أدخل بهذه الطريقة إلا لأضع لنفسي أسس أبني عليها مقالاتي اللاحقة , فقمت بكتابة المقال الذي رأيتموه { ومن لم يره فليره } .
عموما , بعد أن بيَّنت في مقالي وجود الكتاب وهو القرآن , كان حَريٌ بنا أن نفهم أن هناك أناس نزل عليهم القرآن , وأن نثبت حسن فهمهم للقرآن وأنهم أيضاً نقلوا السنة ووصايا النبي صلى الله عليه وسلم معه .
فالإنجيل نزل على عيسى والحواريون فهموه ولقنوه من بعدهم ممن تمسك بأصل الكتاب .
وغيره من الكتب سارت على هذا النهج , فكل أصحاب نبي يحفظون وصاياه ودستوره الذي نزل الوحي بهِ عليه .
فلم ولن يفهم القرآن أحد كما فهمه الصحابة رضيَ الله عنهم , لأنَّه قد نزل عليهم في زمانهم والنبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانييهم مجارياً الأحداث والمناسبات التي نزل بها .
لنترك هذا كله , لنتكلم عن القرآن وهو الأصل , سؤالي : من نقله أليسوا هم !
لنترك هذا كله , لنرجع لآيات ربنا في كتابه , كيف تكلم عنهم { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } هل الله يعلم الغيب , إذن كيف يعلم الغيب ويزكي من في علمه أنهم سيكفرون !
من كان يخاطب الله سبحانه وتعالى بقوله الدائم في القرآن { يا أيها المؤمنون } !! أليس عهد النبي ومن أسلم في عهد النبي ورآه هم الصحابة رضي الله عنهم !
الحديث يطول عن هذه المسألة , ولكن يكفينا قوله تعالى { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله , أولئك هم الصادقون } وأولئك يا إخوة هم المهاجرين { والذين تبوؤوا الداؤ والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة , ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } وأولئك يا عرب هم الأنصار .
{ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمن ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم } وأولئك من آمن من الصحابة بعد المهاجرين والأنصار .
وهذا يكفينا في إثبات عدلهم ونزكية الله لهم , وهنا يتبين لنا أنَّ الدين من بعد نبينا بأيدي شرفاء من تربية محمد صلى الله عليه وسلم , فنقلوا لنا الدين بأبهى صورة , وزاغ من زاغ وهلك من هلك من بعد قرنهم .
كتب الحديث عندنا تعتمد اعتمادا كلياً على علم الرجال وتجريحهم وتعديلهم , فتعديل الرجال وتجريحهم أمر ضرورية لمعرفة الأحاديث السقيمة والصحيحة .
وتعريف الحديث الصحيح عندنا هو { ما رواه العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة }
إذن خمسة شروط , عدلا , ضابطاً ,اتصال السند عن مثله , نفي الشذوذ , نفي العلة .
بعد الإبحار بواحتنا الفكرية السابقة وددت التعريض على اللبرالية ونقضها :
عندما نقف عند نصوص الشرع ونقرأ قوله تعالى { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } نعلم أن لا حرية مقابل عبودية الإنسان , فالحرية التي يحتاجها الإنسان قننها وهذبها الدين بمعايير وضوابط .
فحرية الحيوان هذه ليست عند المسلمين , وحرية الزناة السرقة وأكل الأموال واستباحة المحارم ليست من الحرية , بل هي فوضاوية وحيوانية شهوانية ومن الوضاعة التي ينادي فيها كل دنيء , لا تستغربوا هجومي هذا , لأنه ليس هجوم بقدر ماهو بيان لفكر وقح يظنُّ صاحبه أنَّه على خير , بل هو شر مكاناً وأضلُّ سبيلا .
فلو عرضنا نصوص القرآن التي فهمها الصحابة ونقلها لنا سلفهم في كتبهم المعتمدة التي سُنت على الضوابط الحديثية المعتمدة , لو عرضناها لكفى بها حجة داحضة لذلك الفكر المنحرف .
فالإسلام بيَّن لنا أنَّ الإنسان طالما وُجد كان عبداً لله , ونظم كل معاملاتنا وبينها خير بيان وأفضل من شرائع ودساتير أناس تغوطوا وحملوا في بطونهم الأذى .
كيف نعلم ذلك :
لإسلام هذَّب علاقتنا حتى مع الحيوان , ألم تدخل امرأة بغي الجنة بسبب أنَّها سقت كلباً وأنَّ امرأة صوامة قوَّامة دخلت النار بسبب عدم سماحها للقطة أن تأكل من خشاش الأرض !
ألم يهذب الإسلام تعاملنا مع الطريق , ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم { إماطة الأذى عن الطريق صدقة } ألم ينهانا الإسلام عن الاغتسال في الماء الراكد كي لا يفسد , وينهانا عن البول في الظل الذي يجلس فيه الناس !
ألم يؤدبنا الإسلام ويعلمنا كي نعامل والدينا , وأبنائنا , وزوجاتنا , وجارنا , وعلمنا كيف نعامل ولي الأمر والرعية واليتيم والمسافر والفقير والعالم !
ألم يضع الإسلام النظام الإقتصادي الواضح بآية واحدة { وكلوا واشربوا ولا تسرفوا } فوضع أساس الإقتصاد وأساس الصحة بعدم الأسراف في الأكل بتلك الآية !
ألم يعلمنا الإسلام العدل والمساواة وكرم المرأة وحفظها وجعلها ملكة البيت وحماها من الذباب المتهالك عليها فوضع عادات الجاهلية بوأدها واستعراضها كسلعة للمتعة !
ألم يعلمنا الإسلام البيوع ونهانا عن بيع الغرر والغش وتلقي الركبان وأمرنا بالبيان والصدق في البيع !
ألم يهذب عاداتنا ويحثنا على الخير من إكرام ضيف وحُسن معاملة ولينٍ ورأفة ورحمة !
ألم يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم { خيركم خيركم لاهله وأنا خيركم لأهلي } وعلمنا { إن أفضل الصدقة لقمة تضعها في فيه زوجتك } فأي تأديب إجتماعي وأي ثقافة وأي شاعرية علمنا إياها هذا الدين العظيم الذي تنكر لهُ الكثير وحصره في الصومعة والمحراب !
قال أبو ذر رضي الله عنه : لم يدع رسولنا صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا وذكر لنا منه علما , حتى الطير يقلب جناحيه في السماء ذكر لنا منه علما .
إن الجهلة لم يحفظو سورة الإخلاص وتكلموا عن جل القرآن ونقدوا السنن والقانون الإلهي وهم لا يحفظون حتى سورة الإخلاص !
فذاك والله الجهل المركب .
إن اللبرالية التي ينادون فيها والتحررية التي ينادون فيها هي ما بين السرة والركبة فكلما تعرت النساء كلما زادت الحرية , وكلما ساء الأدب مع الإسلام وساء الأدب في المجتمع كلما أصبحنا أكثر إنفتاحية , وأنا أعجب بصراحة من هؤلاء الذين لا يرون التقدم إلا ما بين السرة والركبة , فأعينهم لا تعدوا عن ذلك ويسمون ذلك تطورا وإنفتاحا وتقدم ووسطية !
في عهد بني العباس قال أحد قسيسي الأديرة عندما أراد مجلسهم حرق كتب الفلسفة والتحرر عندهم , أشار عليهم وقال بأن ترجموها وأدخلوها على أهل الشام ومن وراءهم , فإن دخلت عليهم لم تبقِ لهم بيضة ولو بعد حين , ففعلوا وأدخلها المأمون !!!
لا تخف أخي المعاند , ستأتي الرحمن عبدا , شئت أم أبيت , ولكن خير لكَ أن تأتيه عبداً وأنتَ سعيد بذلك , قبل أن تأتيه عبداً وأنت تبكي وراغم له أنفك , ولنا لقاء قريب بإذن الله لفك طلاسم اللبرالية والتحررية .
أخوكم / caesar